محمد جواد مغنية
70
في ظلال نهج البلاغة
سر الحج : معنى كلام الإمام ( ع ) واضح ، وفي غنى عن الشرح . . أجل ، ان في الحج سرا عميق الدلالة ، وهو وحده يفسر حقيقته ، ويكشف عن كنهه ، وقد أشار الإمام إلى هذا السر بكلمة عابرة ، وهي : « ويألهون اليه ولوه الحمام » . وإليك ما استوحيناه من هذه الإشارة في البيان التالي : تكلم المسلمون عن الحج وغير المسلمين أيضا ، وأطنبوا وكرروا فيما كرروا « ان الحج مؤتمر عالمي يعقده المسلمون على صعيد واحد ، وفيه يتعارفون ويتشاورون » . ولا أدري ما ذا أنتج هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك . ثم أي مسلم ذهب إلى مكة المكرمة ، وهو يحمل في رأسه فكرة التعارف والتشاور وإذا صادف وتعرف على واحد أو اثنين فلا شيء وراء هذه المعرفة إلا الرؤية تماما كما تلتقي أنت وإنسان في السيارة أو المطعم . ان السر في الحج أبعد من هذا وأعمق ، ويتضح من الجواب على هذا التساؤل : لما ذا يذهب المسلم إلى الحج بهذا الوله والحنين ، ويدفع الأموال الطائلة ، ويتحمل المشاق والأخطار على الطريق ، وفي منى وعرفات ، وفي المسعى والطواف . . وقبل سفره يحمل أوراقه ، وينتقل بها من دائرة إلى دائرة ، ومن مكتب إلى مكتب هل وضع محمد لونا من السحر في أحجار الكعبة لا تعرفه السحرة ، ووضع في قبره نوعا من الجاذبية لم يهتد اليه نيوتن ، ولا العلماء من بعده الجواب : ان في أحجار الكعبة ، وفي قبر محمد سرا وأي سر ، سرا هو أعظم بكثير من السحر والجاذبية النيوتنية . . انه الحب ، حب اللَّه ورسوله الذي لا سلطان عليه لانسان ولا شيطان . . والى هذا الحب أشار الإمام ( ع ) بقوله : « يألهون اليه ولوه الحمام » . والحمام - كما هو معلوم - رمز الحب والسلام ، وأشد الطيور ولها وحنينا . . وأيضا هذا الحب هو الذي أراده إبراهيم أبو الأنبياء ( ع ) يوم وقف إلى جوار الكعبة يبتهل إلى اللَّه ويقول : * ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ ) * - 37 إبراهيم . قال : أفئدة من الناس ، ولم يقل : تأتي ، لأن الهوى أو الهوي يتضمن معنى الشوق والوجد ، والمحب المشتاق لا يسأل عن الأسرار ، ولا يهتم « بالتشاور